سيد قطب

678

في ظلال القرآن

« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ؛ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ - لِمَنْ يَشاءُ - وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً » . . وسياق الآية هكذا يتضمن اتهام اليهود بالشرك ؛ ودعوتهم إلى الإيمان الخالص والتوحيد . ولا يذكر هنا القول أو الفعل الذي يعده عليهم شركا . . وقد ورد في مواضع أخرى تفصيل لهذا : فقد روى القرآن عنهم قولهم : « عزير ابن اللّه » كقول النصارى « المسيح ابن اللّه » . وهو شرك لا شك فيه ! كذلك روى عن هؤلاء وهؤلاء أنهم « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » . . وهم لم يكونوا يعبدون الأحبار والرهبان . إنما كانوا - فقط - يقرون لهم بحق التشريع . حق التحليل والتحريم . الحق الخاص باللّه ، والذي هو من خصائص الألوهية . ومن ثم اعتبرهم القرآن مشركين . . ولهذا الاعتبار قيمة خاصة في التصور الإسلامي الصحيح لحد الإسلام وشرط الإيمان - كما سيجيء في سياق السورة بالتفصيل . وعلى أية حال فاليهود على عهد الرسالة المحمدية كانت عقائدهم في الجزيرة حافلة بالوثنيات ، منحرفة عن التوحيد . والتهديد هنا موجه إليهم بأن اللّه يغفر ما دون الشرك - لمن يشاء - ولكنه لا يتسامح في إثم الشرك العظيم . ولا مغفرة عنده لمن لقيه مشركا به ؛ لم يرجع في الدنيا عن شركه . إن الشرك انقطاع ما بين اللّه والعباد . فلا يبقى لهم معه أمل في مغفرة . إذا خرجوا من هذه الدنيا وهم مشركون . مقطوعو الصلة باللّه رب العالمين . وما تشرك النفس باللّه ، وتبقى على هذا الشرك حتى تخرج من الدنيا - وأمامها دلائل التوحيد في صفحة الكون وفي هداية الرسل - ما تفعل النفس هذا وفيها عنصر من عناصر الخير والصلاحية . إنما تفعله وقد فسدت فسادا لا رجعة فيه ! وتلفت فطرتها التي برأها اللّه عليها ، وارتدت أسفل سافلين ، وتهيأت بذاتها لحياة الجحيم ! أما ما وراء هذا الإثم المبين الواضح الظاهر ، والظلم العظيم الوقح الجاهر . . أما ما وراء ذلك من الذنوب - والكبائر - فإن اللّه يغفره - لمن يشاء - فهو داخل في حدود المغفرة - بتوبة أو من غير توبة كما تقول بعض الروايات المأثورة الواردة - ما دام العبد يشعر باللّه ؛ ويرجو مغفرته ؛ ويستيقن أنه قادر على أن يغفر له ؛ وأن عفوه لا يقصر عن ذنبه . . وهذا منتهى الأمد في تصوير الرحمة التي لا تنفد ولا تحد ؛ والمغفرة التي لا يوصد لها باب ؛ ولا يقف عليها بوّاب ! أخرج البخاري ومسلم - كلاهما - عن قتيبة ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر ، قال : خرجت ليلة من الليالي ، فإذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يمشي وحده ، وليس معه إنسان . قال : فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد . قال : فجعلت أمشي في ظل القمر . فالتفت فرآني . فقال : « من هذا ؟ » فقلت : أبو ذر - جعلني اللّه فداك - قال : « يا أبا ذر تعال ! » قال : فمشيت معه ساعة . فقال لي : « إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة ، إلا من أعطاه اللّه خيرا ، فجعل يبثه عن يمينه وشماله وبين يديه ووراءه ، وعمل فيه خيرا » . قال : فمشيت معه ساعة ، فقال لي : « اجلس هاهنا » . فأجلسني في قاع حوله حجارة . فقال لي : « اجلس هاهنا حتى أرجع إليك » : قال : فانطلق في الحرة حتى لا أراه . فلبث عني ، حتى إذا طال اللبث . . ثم إني سمعته وهو مقبل يقول : « وإن زنى وإن سرق » قال : فلما جاء لم أصبر حتى قلت : يا نبي اللّه - جعلني اللّه فداك - من تكلمه في جانب الحرة ، ؟ فإني سمعت أحدا يرجع إليك . قال : « ذلك جبريل ، عرض لي جانب الحرة ، فقال : « بشر أمتك أنه من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنة » . قلت أيا جبريل . وإن سرق وإن زنى ؟ » . قال : « نعم » . « قلت : وإن سرق وإن زنى ؟ » قال : نعم . وإن شرب الخمر » . .